نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

عصر التسول 

325

عصر التسول

عصر التسول

بقلم/إسماعيل البيطار

 

إذا كان هناك شئ ما منذ بدأ الحياة كان يحق له أن يكون أول ما يُدوَّن مباشرة بعد اكتشاف الكتابة، فذلك الشئ سيكون التسول.

فقد انهارت أمم وسقطت إمبراطوريات واختفت أهم المهن، لكن ما زال التسول راسخًا بطلاً لكل العصور.

فليس هناك أفضل من فكرة أن تضع يدك في جيب شخص آخر، تمسك ماله، وتضعه في جيبك ثم تنصرف. إن من اخترع فكرة التسول لم يكن شخصًا لا يملك أي حلول لجلب المال، بل اختار أجرأ فكرة لا نستطيع أنا وأنت أن نفعلها، وإن فعلناها قد نفشل فيها. فالتسول ليس مجرد استعطاف، بل هو فن فن قائم على المنفعة المتبادلة: شخص يحتاج إلى مال وشخص آخر يحتاج أن يشعر بأن هناك من هو أفقر منه، وفي تلك اللحظة تُنجز الصفقة.

التسول لعبة نفسية لا يجيدها أي شخص، فمنذ اللحظة التي يقف فيها بجوارك، لا ينظر إلى جيبك إنما ينظر إلى عينيك مباشرة حتى يدرك أنك تتجاهله. وتلك اللحظة هي الحاسمة في مسيرته، حيث يدرك أنك الضحية التي لا تعوض والعميل الذي لا يمكن إفلاته، حتى يبدأ في استعطافك. وهدفه ليس أن تفكر في حالته المأساوية وأن تذرف الدموع من أجله، بل يريد أن يستعطف من حولك وأن تشعر بأن الجميع ينظرون إليك ويرغبون في لومك على كل تلك القسوة الموجودة في قلبك.

فتدفع مرغماً، مبتلعاً لسانك من الخجل، أو تقرر أن تستجمع شجاعتك وتجهز أعصابك لتقول لا. وهنا يغضب المتسول، ليس لأنه لم يحصل على ماله، بل لأنك لم تدفع قيمة ما قدمه لك. فالمتسول يقدم لك خدمة بأن تشعر بأن هناك من هم أشد بؤساً منك، وأفقر منك، وأقل منك. فمهما كنت متدنياً في الكرامة، هناك دائماً من هو أدنى منك، ولن يكون كل ذلك مجاناً بالنسبة له فإن ذلك عرض مسرحي، وأنت البطل والجمهور في نفس الوقت، بسعر زهيد.

لكن ذلك الغضب لا يدوم طويلاً، فالشوارع لا تخلو أبداً من المارة، والمارة لا يخلو أبدًا من الذين لا يعرفون كيف ينطقون كلمة ‘لا’. فالعميل الذي لا يدفع سوف يأتي شخص بجواره يدفع، فهو يحتاج أن يتحدث إلى شخص واحد فقط، أما البقية فتأثير كلماته كفيل بهم.

غير أن المتسول هو الوحيد الذي يتمنى أن يصبح الجميع أغنياء، فهو لا يستطيع أن يتحمل أي منافسين جدد له. وهو غير قلق على مستقبله من الذكاء الاصطناعي، فالبشر يشعرون ببعضهم البعض بطريقة أعجازية، لذا لا توجد أي فرصة في المستقبل أن تنافسه آلة في التسول. كما أنه لا يعمل تحت أي ضغط ولا يدفع أي ضرائب. أي وقت وأي مكان بالنسبة له هو في العمل.

وربما جميع الحكومات في مختلف الدول لا تعترف ضمنيًا بمعدلات البطالة المعلنة لأنها تعتبر التسول مهنة لم تُدرج رسميًا بعد في سجلات العمل.

كما أن سوق الإقراض اليوم ينبغي أن يشكر عملية التسول. فأول عملية إقراض تمت في التاريخ، من المؤكد أنها سبقتها عملية تسول، حيث نضج بعدها المانح ليطلب مقابلاً.

إن وجود التسول أمر طبيعي حتى في المجتمعات الغنية. يلجأ الإنسان إليه كوسيلة سهلة ومضمونة للحصول على المال. فقد تتنوع وسائله وأهدافه، ولكن لا يتغير أبدا سببه وهو الفقر. إلا أن انتشاره قد يحولنا من مجتمع فقير إلى مجتمع جاهل يستبدل الحرفة بالكلمة، فلن يعود هناك صانع ماهر بل متسول مفوه.

وفي كل الأحوال، لن نستطيع أبداً أن نهزم مهنة انتصرت على الزمن، لكننا نستطيع أن نخفف من حدتها لتمر علينا مرور الكرام كما مرت على العصور من قبلنا، ولا أن تصبح سمةً من سمات هذا العصر، فيكون عصر التسول، لذلك إذا كان من الصعب تطبيق قانون مكافحة التسول، على الأقل يجب ألا يتم تحويلنا إلى متسولين جدد؛ لأنه عندما يحدث ذلك، أنا متأكد أنه في اليوم التالي سوف يتم تفعيل قانون

مكافحة التسول.

قد يعجبك ايضا