نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

رؤي فلسفية في التنمية البشرية لأيمن غنيم اللقاء الرابع عشر( السعادة)

321

 

كل منا يبحث وبإمعان عن السعادة منذ لحظة الميلاد . حتي الموت . وهو لا يمل ولا يكل بحثا عنها بكل

ما أوتي من قوة وجهد . وقد تبدو سرابا . في النهاية لأنه يبحث عنها خارج ذاته . ظنا منه أنها

محسوسة في أمل مترقب . أو طموح متجدد . أو هدف يدق بدفوفه علي مسامعه . ويجري عبثا ويشد

الرحال إلي دنيا لا يعرفها مغتربا . ويحضن بتلابيب قلبه بنبضات هي عفوية .أو في كلمات غرام

منسية.

يسابق الخطي سعيا منه لإدراك ماهية واقعها . وحقيقة مدركاتها . وهو لا يدري أن السعادة تكمن في

ذاته . وفي حقيقة قناعاته . فالسعادة ليست بمحسوسات يمكن تلمسها . وليست في هتافات الإنتصار . أو

صياحات النجاح . وليست بالنتائج المرجوة أو الآمال العريضة التي ننشدها . إنما هي نهج وأسلوب

حياة .

نعم فكثيرون من البشر قد يختلط عليه الأمر . فقد ينظر للسعادة منظور إبتهاجي وغفوة فرحة في واقع

كئيب . ونشاط عارم في أجواء الصمت البليد . وهناك من ينظر إليها من منظور شهواني بحثا عن جمع

المال. أو لحظة ماجنه يختلس فيها ممنوع قد حرم أو يسترق فيها لحظات عشق مزيف . أو ممارسة

حرية عبثية يخرج فيها عن نص الشرع ومنهاج التشريع . هؤلاء ليسوا بسعداء .

إنما هم يعبثون بواقع الجمال . ويهرعون إلي مكائد الشيطان . يخدعون أنفسهم بقناع الزيف وتضليل

انفسهم بأنفسهم.

 

إن السعادة الحقيقة تكمن في ذاتك . وفي الأسلوب الذي تنهجه وتدعمه في التعايش بسلمية مع قدراتك

وإمكانياتك المتاحه . وطبيعة أدواتك التي تملكها مع مطالبك وأحلامك . إذا ما أنت أوجدت التوازن بين

ماهو ممكن أو متاح لديك وماهو أنت قادر علي تحقيقة وبين مطلبك أو هدفك . إذن فأنت ملكت زمام

سعادتك . فالسعادة في السلام الذاتي والأمن الداخلي الذي يتحقق في ضوء تعايشك مع واقع حياتك .

ومن هنا يأتي الإنسجام الذاتي بين مقومات البشر بداخلك وهي الجسم والنفس والعقل . إذا ما تحقق

الإنسجام بينهما . تحققت السعادة . وقد خضعت السعادة إلى تعريف فلسفي منذ القدم .

فقد عرفها أفلاطون بأن السعاده يمكن لها أن تتحقق بالفضيله . وفي المدينة الفاضله . أي هي جزء لا

يتجزأ من الفضائل .

وقد عرفها أرسطو أنها مزيج مابين رضا النفس ورغباتها ورضا الضمير . فهي لا تخرج عن عبائة

الفضيلة .

وعرفها البرجماتيين بأنها كيفية الحصول علي المادة واخضاعها لتلبية حوائج النفس . وإرضاء نزواتهم

.

إلا أن الإسلام والمتدينون قرنوا مفهوم السعادة بالروحانيات وعلاقة العبد بربه ومدي الإيجابيات التي

يسلكها الفرد في سلوكه وعبادته مع الله .

وأكاد أجزم انا أيمن غنيم بأن السعادة ماهي إلا لغة التسامح التي يحققها الفرد بينه وبين نفسه . وهو

السلام الذاتي وفق معايير أخلاقية سمحة وفضائل ملموسة في حيز الواقع . ومدي ما تحققه أنت من

إسعاد غيرك . فالسعادة لا تجي فرادا . فمن العبث أن تضحك او تستشيط فرحا بمفردك فذاك جنون .

فالسعادة هي مردود معنوي تستشعره من خلال إسعادك للآخر . فهو بمثابة كرة البنج بونج لا تعرف

سكينة ولا هدوء إذا ما تبادلها اللاعبين مابينهما . هكذاا السعادة .

لا تخرج عن إطار ايمانك بقناعاتك الفطرية التي تدعم الإنسانية في كل محفل وتصرف . وتزفه للآخر

بإيقاع من الرضا والتسامح . لكن أود أن أهيب بكم من خصومات السعادة وهي كثيرة والتي تكمن في

الرذائل أو الموبقات أو المحرمات أو التي تنتهجها الشياطين وإن اختلفت مسمياتها . فالخصومة

والعداوة التي تهلك السعادة وتقلص مفهومها . هي السيطرة . فاذا ما أنت تملكتك أحاسيس السيطرة

والغوغائية فإنك مغتصب ولا يحين لمغتصب أو منتهك قيم أن يسعد . وثانيهما الطمع والطمع آفة تلتهم كل آفاق السعادة وتحولها الي درب من خيال لأنها لاتتحقق في أجواء الطمع العارمة والمتجددة بجنونية

وسرعة عقارب الزمن . فلا زمن ولا حياة تكفل السعادة للطامعين في مزيد لا ينتهي . وثالثهما الأنانية

فإن إعتزلت أو عكفت علي نفسك كشجرة حبست ثمارها علي نفسها فتعفنت وأصبحت لا تطيق وجودها

. ورابعهما الحرية العبثية التي تمهق حق الآخر وتقتحم أسواره . وتجور علي الغير في سباق مع

الأقوى وليس مع الأفضل . تلك هي منغصات السعادة بل لصوصها . فاذا ما أنت احسست بواحدة منها

فأوقفها علي الفور . وخذ نهجا آخر لكي تنعم وتسعد بقدراتك وفضائلك ونعم الله التي لا تحصي لديك .

وأدر ظهرك لماض فات ولا تمعن النظر في مستقبل آت.

وفقط عش قوة اللحظة المواتية لحاضرك والتي تمتلكها الآن .نعم فللحاضر قوة ضارية لا يستهان بها .

فمكن نفسك من حاضرك تغزو مستقبلك دون خوف أو قلق . ولا تلتفت لماضيك بحسرة وألم فأنت ليس

إلا حاضرك . فإجعل من حاضرك بسمة تغمر أحزانك. وتنهي أوجاعك. وتلهم عزائم قدراتك. بأن تكون

في حدود إمكانياتك .

ولا تجعل من طموحاتك بلا سقف تعيش بلا أمان .وعش بمعزل عن هواجس نفسك . فأنت لست إلا

مخلوق خلق بقدر وسيعيش لقدر .ويموت علي قدر . فلا تمسخ حياتك بكثرة زخارفها . ولا تجلد ذاتك

بذاتك . وتجعل من ذاتك سوطا غير رحيم بقدراتك إذا ما أنت كنت طاغية في محراب ذاتك . ونفس

وماسواها فألهما فجورها و تقواها .قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها . صدق الله العظيم .

فكن أنت وزراء السعادة في حكومة ذاتك . لا تثور عليك نوازعك. ولا تتمرد عليك جوارحك . ولا

تعبث بك حواسك وتكن علي ربوعهم سلطانا أبيا

رؤية وقلم أيمن غنيم

قد يعجبك ايضا