نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

خيانة النخبة… حين يصير الصمتُ ثمنًا

211

 

خيانة النخبة… حين يصير الصمتُ ثمنًا

بقلم: محمد سعد عبد اللطيف,مصر،

في زمنٍ لم يعد فيه للأقلام من صوت إلا حين يُشترى، صارت معارك الثقافة تُدار من خلف الستائر، لا في الساحات. بعد أن جفَّ حبر الاحتجاج، ونامت الأصوات في حضن الامتيازات، تحوَّل بعض الكتّاب والمثقفين إلى تجار جملة في سوق الصمت. إنهم لا يكتبون، بل يُسكتون أنفسهم مقابل ما يُمنَح لهم من دعوات ومكافآت وجوائز وطبع كتب ونزول في فنادق خمس نجوم.

لم تعد المسألة مرتبطة بالخوف، بل بالحسابات: ماذا سأربح إن كتبت..؟ وماذا سأخسر إن صمتُّ..؟ وبهذا، صرنا أمام جوقة من المثقفين المستأجرين، أو كما وصفهم المفكر الفرنسي جوليان بندا في كتابه الشهير: “خيانة المثقفين”، حين باعوا ضمائرهم للسلطة مقابل مصالح آنية. وقد علّق الفيلسوف جان بول سارتر على ذلك قائلًا: “المثقف الحقيقي هو الذي يتدخل عندما يصمت الجميع، لا عندما تتكاثر الولائم”.

من هنا نفهم لماذا تخرس الأقلام عند مذابح غزة، ولا تتفاعل مع مجازر سوريا أو العراق أو السودان أو اليمن. بينما في الماضي، كانت أصوات الشعراء والكتاب تهدر من باريس إلى هانوي، من مدريد إلى تشيلي، من بكين إلى هافانا. كانوا يحلمون بقطارات الثورة، يحملون البنادق والقصائد. أما اليوم، فالنخب تركب الطائرات لحضور المهرجانات، بينما الشعوب تتعلق على شاحنات الهروب من الجحيم.

في الستينيات، مجّد الشعر العربي “عصافير مدريد” و”حمامات هانوي”، وارتفعت الأناشيد باسم لينينغراد وستالينغراد. أما حمامات بغداد ودمشق والخرطوم، فلا تستحق المديح لأن لا أيديولوجيا ترفرف فوقها. فالعصفور الفلسطيني والعربي “مسكين ووسخ وغير مؤدلج، لا يعرف قواعد النظافة، ويذرق بعدالة ومساواة على رؤوس السكارى والمصلين”، كما تهكم أحدهم.

أين أولئك الذين مجّدوا الثورات الأممية..؟ لماذا لا نسمع اليوم شاعرًا أو كاتبًا يعلن غضبه دفاعًا عن مدينة عربية تئن تحت القصف؟ لأن المدينة لم تعد نصًا. ولأن الوطن لا يُكتب في مقال، بل يُفاوض عليه في مطبخ الجوائز.

لقد اختزل البعض الثقافة في نصوص تُكتب تحت المكيّف، لا على حافة الجبهات. الثقافة أصبحت أداةً ناعمة من أدوات السيطرة، تُكمل دور السلاح. فشراء الصوت أصبح قديمًا… أما الأخطر اليوم، فهو شراء الصمت.

كثير من الكتّاب في صحف ممولة من أنظمة تملك المال، يكتبون عن الديكتاتوريات بعيدًا عن مموليهم. فهم لا يجرؤون على نقد أنظمة تدفع لهم. والسبب ليس فقط الخوف، بل الطمع فيما هو أكثر من مجرد مكافأة: شهرة، طبع كتب، مهرجانات، وربما جائزة تغسل ما تبقّى من ضمير.

ولكي لا نُتهم بالمبالغة، نحكي عن حالة مختلفة، مضيئة، اسمها جمال حمدان. عُرض عليه منصب وزير التعليم العالي في ليبيا، بدعوة من القذافي، فرفض. عرض عليه حسنين هيكل أن يكتب في “الأهرام” بعقد مغرٍ، فرفض. لم يكتب إلا حين أراد، وعاش في غرفة بسيطة بلا تلفاز أو وسيلة ترفيه، وحين مُنح جائزة من جامعة الكويت، أرسل شقيقه لاستلامها، ثم وزع قيمتها على الفقراء وأشقائه. عاش نزيهًا، ومات عزيزًا، وترك لنا إرثًا لا يُشترى.

في المقابل، عرفنا كاتبة من الخليج أرسلت رواية باسم مستعار بعنوان “القرآن المقدس”، خشية الملاحقة من أجهزة الرقابة، لأنها تفضح قاعًا اجتماعيًا مغلفًا بالتقليد والقوة، لكنه في الداخل مسرح لانهيارات أخلاقية وسياسية. رواية بهذا العمق والجمال لا تجد جائزة، لأن المؤلفة لم تمر عبر البوابة الرسمية للجوائز، بل عبرت عن قلق مجتمعها الحقيقي.

في المقابل، رفض الروائي الإسباني خوان غويتيسولو جائزة القذافي للأدب (وقيمتها 200 ألف دولار)، لأنه كان يكتب ويفكر ويعيش في نسيج واحد متماسك. عاش حتى وفاته عام 2017 في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، حيث الثقافة الحية والفرح الشعبي، لا الثقافة المدفوعة الثمن.

إننا لا نعيش اليوم في أوطان، بل في نصوص. لا أحد يعبّر عن الأرض، بل عن الولاء للنص المؤدلج. من يفكر بشيء ويعمل عكسه، لا يمكن أن يكون مثقفًا، بل تاجرًا.

أولئك الذين لم يركبوا قطارًا، ولا حتى حافلة عامة للدفاع عن أصحاب رأي في معتقلات أو غزة، هم من يصدرون الأحكام على من قاوموا. صمتهم المدفوع، وصوتهم الممنهج، هما وجه آخر للإرهاب الناعم.

نعم، هناك ساحات وعصافير وضحايا في كل يوم… لكنها لا تصلح في النصوص، لأنها ليست أوروبية بما يكفي، ولا مؤدلجة بما يُرضي الممول.

هكذا تصير الثقافة طبلًا أجوفَ يُقرع،،

محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية,,

saadadham976@gmail

قد يعجبك ايضا