نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

قصة من واقع الحياة سعيد وحيد فريد بقلم : خالد عاشور

440

قصة من واقع الحياة
سعيد وحيد فريد

كتب : خالد عاشور

عندما دخل سعيد
الذي تخرج حديثا من الجامعة إلى الشركة الكبيرة التي يطمح بالحصول على وظيفة فيها كان دقات قلبه تتسارع
فهذه الشركة تعد من أكبر شركات البلد وصاحبها من أغنى الأغنياء
والكل يتهافت للحصول على عمل فيها وبينهم أبناء الكبار وأصحاب الواسطة ,
فكيف له أن ينافس كل هؤلاء
وهو الشاب البسيط وابن الموظف البسيط الذي توفي ولم يترك له من مال الدنيا شيئا ,

ولكنه تذكر وصية المرحوم والده الذي أوصاه بالتوكل على الله في كل أمر
وان يرضى بقضاء الله عز وجل
مهما كان وأن لايحزن على أي شيء
لم يحصل عليه فربما كان الخير في ذلك
دون أن يدري
دخل سعيد على مدير شؤون الموظفين وقدم أوراقه وطلب منه الرجل
أن ينتظر اتصالا كي يتم إعلامه بالنتيجة .خرج سعيد وهو شبه متيقن من أن النتيجة ستكون سلبية هذا إذا اتصل به احد أصلا ولم يرموا طلبه في اقرب سلة مهملات .

مضت عدة أيام وفجأة جاء الاتصال الموعودوطلب منه المتحدث أن يأتي الشركة في مساء نفس اليوم لإجراء مقابلة .
فرح سعيد ولبس أحسن ماوجده من ثيابه المتواضعة وذهب حسب الموعد
وابلغ موظف الاستعلامات باسمه فقال له الأخير وهو ينهض احتراما :

– أهلا وسهلا ياسيد سعيد,
شرفتنا ياسيد سعيد,
تفضل أوصلك إلى غرفة رئيس مجلس الادارة
ضحك سعيد وقال للرجل :
– ياصديقي انت قد خلطت بيني وبين شخص آخر, انا مجرد شخص بسيط طالب وظيفة !!

سأله الرجل :
– الست الأستاذ سعيد وحيد فريد ؟
وعندك موعد الساعة الخامسة ؟
أجاب سعيد :
– نعم انا هو .
أجاب الرجل مبتسما :
– إذا أنا لست مخطئًا ياسيدي
وموعدك مع السيد رئيس مجلس الادارة
الذي أوصانا باستقبالك بحفاوة تليق بمقامك .

ذهب سعيد مع الموظف
وهو مشدوه فدخل إلى مكتب
رئيس مجلس الادارة الفخم وما أن عرّف موظف الاستعلامات عنه حتى نهض جميع من في المكتب احتراما له ,
لم يصدق سعيد مايرى ولم يفهم ماالذي يحدث ،وكان متيقنا أن هناك لبسا قد حصل وسرعان ماسيدرك الجميع هذا اللبس،وسيطرد شر طردة فلو كان ابن وزير لما استُقبل بهذه الحفاوة .

انتظر سعيد عدة دقائق
ثم طلبت منه السكرتيرة الدخول
فدخل إلى المكتب الفخم ورأى رئيس مجلس الادارة جالسا وما أن رآه الأخير
حتى نهض عن كرسيه,وجاء إلى سعيد
وأخذه بالأحضان وهو يقول:
– أهلا بك, أهلا بالعزيز الغالي,
أهلا بالحبيب..ابن الحبيب

تلعثم سعيد وقال :
– أشكرك ياسيدي على هذه الحفاوة ولكن اغلب الظن أنك تحسبني شخصا آخر
فانا لم أتشرف بلقائك من قبل ولم أرك سوى في الجرائد والمجلات .

ابتسم الرجل
وذهب إلى درج مكتبه واخرج صورة قديمة صغيرة وأراها لسعيد الذي بهت لرؤيتها كأنه قد ضربته الصاعقة
فقال وهو يكاد يصرخ :
– هذه صورة المرحوم أبي.. من أين لك بها هل كنت تعرفه ؟

قال الرجل :
– المرحوم ؟ هل مات هذا الرجل الطيب ؟ رحمه الله وغفر له وجعل مثواه الجنة .
قال سعيد :
– ولكني لا افهم فمن أين لأحد كبار أثرياء البلد أن يعرف أبي وهو رجل متواضع جدا عاش مستورا حتى آخر يوم في حياته ؟
قال الرجل :
– دعني أخبرك بالحكاية منذ البداية,
فمنذ سنوات عديدة كنت مازلت شابا في مقتبل العمر ولكني كنت مثلك دون واسطة ودون نقود, وفي احد الأيام كنت أريد أن أتقدم بطلب وظيفة مثلما تفعل انت الآن، ولكن المشكلة اني لم امتلك أي نقود كي اذهب بها إلى المدينة
التي تعرض الوظيفة فجلست حائرًا
مهموما في محطة الباصات ولا ادري من أين أحصل على ثمن التذكرة ,
وكان يجلس إلى جانبي شاب آخر سألني عن سبب حزني فأخبرته بما يحدث معي , فمد يده في جيبه واخرج محفظته
واخرج منها كل مافيها من نقود وأعطاني إياها, استغربت وأخبرته اني لا أستطيع قبولها،ولكن بعد إصراره الشديد أخذتها

وسألته كيف أردها له؟
فاخبرني انه لايريدها ولكن إذا من الله علي فيجب أن اجعلها صدقة جارية
بأن أساعد كل يوم شخصا محتاجا دون اعرف من هو, فقلت له اخبرني اسمك على الأقل،فقال لي أن اسمه
وحيد فريد!!!!
ويلقبونه أصدقائه بأبي سعيد
وعندما تركته
وذهبت وجدت أنه نسي صورة له بين النقود، فاحتفظت بها ذكرى عن هذا الرجل الكريم,

ومضيت إلى المدينة وتوظفت وترقيت وأسست شركتي الخاصة فيما بعد
وازدهرت إعمالي، وبحثت عن والدك في كل مكان، فلم أجده وأقسمت أن أحفظ أمانته ماحييت ومن يومها
وأنا أساعد كل يوم شخصا لا اعرفه
فتارة أجلس في محطات الباص وتارة في المساجد وتارة في المستشفيات
ويشهد الله أنه لم يمض يوم واحد
إلا وقد ساعدت محتاجا وكلما شكرني قلت له عليك أن تشكر أبو سعيد
فلولاه لما كنت قادرا على مساعدتك
فاعلم ياولدي إن المرحوم أبوك شريك لي في كل خير عملته وكل صدقة أعطيتها.

دمعت عين سعيد وقال :
– رحم الله والدي كان دوما يحضني على مساعدة الآخرين
ويقول لي ياولدي ساعد خلق الله فيجزيك خالقهم عنك خير جزاء في حياتك أو مماتك أو أولادك من بعدك ولا تستخف بأي عمل خير مهما صغر فقد يغير حياة إنسان، دون أن تدري .

نهض الثري وعيناه تدمع هو الآخر وقال :
– والله اني لم أفحص طلب توظيف لأي أحد بنفسي منذ عشرين سنة
ولدي أشخاص معنيين بذلك
إلا أن هاتفا دفعني أن أطلب من المدير
كل ملفات التوظيف الجديدة
وأنا نفسي لا ادري لماذا ,
وأخذت أتفحصها واحدا واحدا
وما أن وقعت عيني على صورتك
حتى عرفتك فورا ،فأنت صورة طبق الأصل عن المرحوم والدك
والحمد لله اني سأستطيع أن أرد جميله وفضله ,

واعلم أنك قد تعينت عندي وفي مكتبي الخاص وسأحرص على أن أجعل منك
إنسانا ناجحا يفخر بك المرحوم والدك .
سبحان الله
الله لايضيع أجر محسن مهما مرت الأيام والسنين..!!

قد يعجبك ايضا