نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

مقطع من رواية أبواق إسرافيل

306

مقطع من رواية أبواق إسرافيل
وقد علم فطين مِن أحد المسئولين الصادقين الذين يخافون على هذه البلد ولا يرضون الدنيّة في أوطانهم أنّ غدًا سوف تقلّه طائرة إلى أمريكا مقبوضًا عليه مِن قِبل رجال المخابرات الأمريكيّة للتحقيق معه.
ومنذ أن علم ثارت ثورته وهاج اهتياج الثور، وبدا له أنّ أشرّ ما يقع به وبابنه أن يكون مجرمًا في بلد يكون ابنه فيها عالمًا.
فأطفأ أجيج الثورة ببرد الصلاة، وظلَّ طوال الليل يدعو ربه ألّا يجمع بينه وبين ابنه في أمريكا. في الصباح نزل الوفد المخباراتي مِن المطار متّجهًا إلى فطين؛ وعندما وصلوا إلى محبسه وجدوه قد فارق الحياة.
ومات المواطن فطين المصريُّ، وودّع الحياة بعد أن رسم للعروبة دروب نجاتِها، وضرب لهم أروع الأمثلة في الشجاعة والفِداء والتضحية.
مات المواطن فطين المصريُّ بعد أن أعدّ مِن صُلبه فتىً سوف يكون له شأن في إصلاح هذا العالم الفاسد (كما ستبين أحداث الرواية).
الآن الجسد الطاهر مسجّى بعد أن رسم البسمة على شفاه عشرات الألوف مِن أهل قريته ووادعهم وآلفهم وصاحبهم.
مات فطين المصريُ، فهل سيواري الثرى جسده الطاهر أم تحمله الرياح إلى النجوم؟ وكيف سيُدوّن شخص فطين المصريّ في التاريخ؟ سيدوّن في مزابله أم في نفحاته؟
رماد معطّر يزين سماءَ مصر
ظلَّ مؤيد منذ القبض على فطين متوترًا، لا يكاد يتمالك نفسه نتيجة الحزن عليه، حتى إن لسانه يتلعثم أثناء الكلام بسبب الحزن المشوب بالخوف الساري في كل أوصاله.
لم يخف عن مؤيد فزّاعة أمن الدولة المصريّة التي تُصيب ولا تُخطئ من أجل الحصول على الاعترافات؛ تلك الفزّاعةُ التي اِنهار تحت وطأتها رجال أقوياء، كما يعرف أيضًا قوّة ورباطة جأش فطين ومدى إخلاصه ووفائه له وللمقاومة. وظلّتْ هاتان المعرفتان تختلجان في صدره فتحدث له الريبة والاضطراب؛ مصارعة عنيفة بين أمل يكتنفه يأس، وعزيمة يكتنفها وهن. ولقد نصحه قادة الاتحاد بالاختباء خشيّة أن يرشد فطين عليه تحت وطأة أساليب أمن الدولة؛ لكنّه رفض لثقته الشديدة في إخلاص فطين ومدى صلابته التي لا توهن.
ظلَّ مؤيد يكدّس كلَّ قواه الحيّة في رصد كلِّ ما يتعلق باعتقال فطين، ويحوم حول الأسباب التي بسببها تمَّ اعتقاله، واتحاد المقاومة لهم عملاء في كلِّ مكان داخل مصر وخارجها، بلْ لهم أنصار داخل الأنظمة نفسها يفدونهم بأعمارهم إذا لزم الأمر.
وكان التقرير يأتيه أوّلاً بأوّل عن ملابسات اعتقاله وحالته، بل أدقّ الأسرار وصلتْ إليهم وهو وصول الوفد الأمريكيّ ليأخذ فطين.
وفي الليلة المشئومة وصل التقرير إلى مؤيد أصيل يقول عبارة واحدة: «اُستشهد فطينُ.»
سمعها مؤيد، فاختلجتْ عيناه وزاغ بصره، واسودَّ وجهه وخرس لسانه إذ التصق في سقف حلقه، وانتفضَ جسده وسرتْ فيه حرارة الصيف الحادِّ حتى ألجمه العرق إلجامًا، جلس وشرب شربة ماء ليجري في سقف حلقه الجاف، وأدار التكييف حتى يذهب عرقه، وأغمض عينيه حتى لا تخطف من أثر الحزن.
بعد عدة ساعات مِن وصول التقرير الأول وصل تقريرًا آخر يقول بأنّ فطين لم يُدفنْ؛ بل أُحرقتْ جثته وذرّتها الرياح؛ فسقط مغشيّاً على الفور.
مرَّ يومان ومؤيد ما زال معتكفًا في بيته، يفكّر كيف يواجه ابن فطين بخبر اعتقاله ثمّ موته حرقًا.
ومن بيركلي اتصلَ فهمان أكثر مِن مرّة بأبيه، بيد أنّ الهاتفَ مغلقٌ دائمًا، فهو أو أبوه قلّما يمرَّ يومٌ إلّا تبادلا الحديث عبر البريد أو صفحات التواصل الاجتماعيّ، لكنّ هذه المرّة كلّ شيء مغلق.
وتمرّ الأيّام، وظلَّ فهمان مشتت الخاطر لا يذهب إلى الجامعة، وعندما تذكر خطاب أبيه توجس شرًا؛ فقرّر النزول إلى مصر.
وجاك مشفق عليه بسبب حالته العصيبة، وليس في إمكانه فعْل شيء تجاهه إلّا بكلمة اطمئنان تُهدّأ مِن ثورة الخوف والوجل اللذين يعتريانه.
وفور رفعه الحقائب جاءه خطاب مِن مجهول، فتحه، قرأ: «بعد السلام، أنا صديق أبيك، ومعي نسخة من الخطاب الذي أرسله لك والدك منذ أيام، أكيد تذكُرني، الأمن المصريّ اعتقلَ أباك بتهمة الدجل والشعوذة؛ فمات في محبسه، وقد قاموا بالواجب ووارو سوءته. ابقَ في مكانك وتذكّر وصايا أبيك لك، ابقَ في مكانك ولا تتركه، وقدْ حوّلت لك مالاً وفيرًا يكفيك حتى الإنفاق على دراساتك.
افتح خطاب أبيك واقرأه، وتذكر قوله: «تثبت ولا تهن ولا تترك مكانك، فإنّي راحل عاجلاً أم آجلاً، فاتخذ مؤيدًا أبيك فهو رجل ليس له نظير.»، واعلمْ أنّك موضوع تحت ميكرسكوب السي آي أي بعد حادثة حريق الجامعة. ابقَ في مكانك وسيطرْ على مشاعرك، وكنْ رجلاً مثل أبيك يا ابن فطين المصريّ.»
بالطبع لمْ يقلْ الطبيب له الحقيقة لأنها قد تصيبه بانهيار عصبيٍّ وتؤثر على مستقبله العلمِيّ وإنّما قال له ما يبقيه ثابتًا ويفي بالغرض.
تناول فهمان الخطاب، انهار بمجرد قراءته، أحسَّ بنار الفراق الأبديِّ يحرق قلبه إلى الأبد، وأنّ التشرّد سبيله، وأنّ حواسه ما عادت تصلح للعمل.
رمقه جاك؛ فجلس بجانبه، وتناول الخطاب، وقرأه، ثمّ تركه ونظرَ إلى فهمان ذي الجسد المرتعد والدموع الساخنة والأنف الأخنّ، قال له: «إنّ المصيبة وإن عظُمتْ؛ فليس لها أن تُعجزك وتُفتت عضديك، و كلّ مصيبةٍ وإن جلت وعظُمت فلابدَّ يومًا ما تهون. أنت رجلٌ تحمل رسالة للناس جميعًا، ولقد كان نبيّكم محمدٌ صلدًا رغم وفاة زوجته وعمّه في عامٍ واحد. فهمان، سيطرْ على مشاعرك ولا تجعلها تأخذ بناصية عزيمتك ووفائك للعلم؛ فتضيع وتضيّع عَالمًا في أمسِّ الحاجة إليك غدًا. صديقي نحن نحمل رسالة كبيرة، ويتوجب علينا أن نتماسك عند الكارثة وألا نتباهى عند النجاح حتى نستطيع أن نؤدي رسالتنا العلمية على أكمل وجه.»
ثمّ توجّه إليّه ونصب وجهُهُ في وجهِهِ وطلب منه أن ينظرَ إليّه، بيد أنّ فهمان ما يستطيع أن يرفع هاتيْن العينيْن البائستيْن في وجه أحد أيًا ما كان هذا الكائن، ولذلك قضى يومه مغمضًا كالأعمى.
ووضع يديه على منكبيّ فهمان ثمّ قال له: «فهمان، تماسك، المفروض أنّك عالم فيزياء لا تهزّك أبداً نائبة الدهر، كما يجب ألّا تهزّك متقلبات الطبيعة، لابدَّ أن تتغلب على كلِّ شيء وتنسى كلَّ ما يعوق مسيرتك. فهمان تماسك، أمامك الدنيا كلّها ذلولة ارتعْ فيها كيفما تشاء وأرِ هذا العالم كمْ سيصبح علمك ترياقًا في وجه الموت عندما يتحدّى َالإنسانُ الطبيعةَ الغضوبة. وإن كانتْ مصر فقدتْ رجلاً مثل أبيك فعلمك المنتظر يستطيع أن يُحيي ألف فطين إذا نُشر به السلام.»
يكلّمه جاك لكنّ فهمان لمْ يكن حاضرًا مطلقًا، لا عقل ولا قلب ولا رؤية، كلّ ما يسيطر على كيانه هو حزن الفقد وانتظار الضياع.
إبراهيم أمين مؤمن

قد يعجبك ايضا