نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

التصوف في الرواية المصرية المعاصرة

656

 

متابعة أيمن حلمي 

كشف كتاب «التصوف في الرواية المصرية المعاصرة» (الهيئة المصرية العامة للكتاب) للباحثة زينب محمد عبدالحميد، رؤى متباينة، لجهة الاهتمام باستخدام المعجم اللغوي الصوفي، ومحاورة التصوف فلسفياً، فيما هناك روائيون اهتموا برصد التصوف كواقع معاش، ما كان له أثره على بنية السرد. وترصد عبدالحميد في مقدمة دراستها وجود تعريفات للتصوف، تعتمد على الأصل اللغوي والاشتقاقي، وثانية تعرف التصوف كحالة سلوكية وأخلاقية، وثالثة يرصدها المتصوفة أنفسهم، وأخرى ترتكز على المرجع الديني والتاريخي، وتعريفات تحدد التصوف بوصفه فلسفة، بعيداً من عقيدة دينية محددة، فقد يكون الشخص ملحداً وفي الوقت ذاته متصوفاً. وتتعامل زينب عبدالحميد مع الرواية على أنها إحدى زوايا التقاط الإحساس بالتأزم الذي يعانيه المجتمع، فهي «ملحمة عالم تخلى عنه الله»، على حد تعبير لوكاتش، فجعلت الفرد يشعر بالاغتراب والتشيؤ، ولهذا تمرد بعض الأدباء على القيم السائدة في المجتمع المادي، وعبروا عن رؤاهم الجمالية التي استوعبتها الرواية بما بها ميزة تسمح بأن تدخل إلى كيانها جميع الأجناس الأدبية التعبيرية، سواء كانت أدبية أو خارج أدبية، ما جعلهم يحلقون في سماء الروح والتصوف كل وفق رؤيته الخاصة للعالم.
وتطالب عبدالحميد بالتروي وإمعان النظر حول قضية نشأة الرواية العربية بأنها اقتبست عن الرواية الغربية، وأن الروائيين العرب كتبوا أعمالهم تقليداً للإفرنج، مشيرة إلى أن التسليم بفاعلية المؤثر الغربي إلى هذه الدرجة أمر مبالغ فيه، خصوصاً وأن هناك تفسيراً كان رائجاً في خمسينات القرن العشرين يؤكد الأصول العربية للرواية. في الفصل الأول، «التصوف معجم تراثي» تناقش عبدالحميد رواية «كتاب التجليات» لجمال الغيطاني باعتبارها نموذجاً لاستخدام المعجم الصوفي ولا تمثل الحالة الصوفية، فكاتبها اتبع نمطاً يشبه المدرسة الكلاسيكية الإحيائية، حيث الاقتباس التراثي، وحاول توظيف المفردات التراثية داخل العمل، سعياً لإحياء تراث خطط الحوليات كنموذج أدبي عربي أصيل يتميز به التراث العربي عن الغربي. وترى زينب عبدالحميد أن الغيطاني لم ينجح في «التجليات» لأن الشكل استغرقه كثيراً، وكان ذلك على حساب المضمون، فقد أغرته لعبة محاكاة اللغة الصوفية، وركَز على اللغة التي جاءت شعرية، ولكنها تصرف النظر عن تنمية الموضوع بطريقة مقنعة. فقارئ «التجليات» قد تعجبه الأناقة الشكلية، لكنه سرعان ما يمل من رتابة السرد. ويطرح الفصل الثاني التساؤل حول جدوى التصوف وغايته، من خلال روايتي «نقطة نور» لبهاء طاهر، و «قلب الليل» لنجيب محفوظ. فشخصيات رواية بهاء طاهر سعت إلى التجادل مع الحالة الصوفية، وحاول عبر رصد تجارب شخصيات روايته إبراز نوع من دائرية الحالة الصوفية، فدائماً هناك شخص يلهم شخصية أخرى في الرواية، وصولاً إلى «نور الحقيقة». بينما جادل نجيب محفوظ التصوف وتساءل عن جدواه في تطور شخصيات روايته «قلب الليل»، وحاول أن يبحث عن جدوى الإيمان بمفرداته أو التعامل بممارساته، فنجيب محفوظ في جل أعماله لا يريد الظاهرة فحسب أو الممارسات فقط بل يجادلها عبر شخصياته التي تنفعل بها، وفي النهاية يبحث عن جدواها العملي الواقعي العقلي، من خلال الأحداث التي تشمل أفعال معتنقيها ومعارضيها.

ويرصد الفصل الثالث «التصوف كواقع معاش» بممارساته في قرى شمال وجنوب مصر وفي المهمشات الشعبية فانتشار الطرق الصوفية في مصر، خلق مادة ثرية للروايات، فرواية «أيام الإنسان السبعة» لعبدالحكيم قاسم تطرح إشكالية ولا تسأل عن فاعلية الطقوس الصوفية بعينها، لكنها تطرح نموذجاً صوفياً، متسائلة عن تمسك مجتمعات بطقوسها في مواجهة العالم الجديد، ومدى فاعلية ذلك الانتماء وسط ما تعمقه الأجيال بالمعرفة من فجوة تفصل بين مدلولاتها وشكلها الطقسي.


فيما تنقل رواية «سيرة الشيخ نور الدين» لأحمد شمس الدين الحجاجي، التصوف من منظور مغاير في مدينة في جنوب مصر «الأقصر»، متسلحة في بنتيها التكوينية بالسيرة، من الميلاد المعجز للبطل، ثم مرحلة التنشئة الاجتماعية الاغترابية، ثم مراحل الاعتراف الاجتماعي والقومي واللدني والكوني، وصولاً إلى موت البطل، وظهور جيل جديد يحمل راية الصوفية. وتمثل رواية «رسائل الغرباء» لعبدالمنعم عبدالقادر تحول الأسطورة إلى واقع والواقع إلى أسطورة وأن الأولياء فينا، في وعينا بذواتنا. وتخلص زينب عبدالحميد إلى أن الروائيين المصريين تعاملوا مع التصوف بطرق عدة، فمنهم من دفعته أزمته الذاتية للدخول في عالم أرحب، وجده في التصوف مثلما فعل الغيطاني، فيما تسألا نجيب محفوظ وبهاء طاهر عن مدى أهمية ونفع التصوف، وهناك من رصد التصوف في طرقه الصوفية الشعبية المنتشرة في مصر شمالاً وجنوباً.

قد يعجبك ايضا