نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

الأسرة الصاوية ابتسامة مصر الأخيرة

258

الأسرة الصاوية ابتسامة مصر الأخيره

 

د. حسين عبد البصير*

*مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية

 

بدأ الملك بسماتيك الأول حكمه في البداية حليفًا للآشوريين وتابعًا لهم، ثم انفصل عنهم شيئًا فشيئًا، ثم صارًا مناصرًا ومؤيدًا ومعاونًا لهم ضد صراعاتهم الداخلية، وفي حروبهم ضد البابليين. ثم حارب الصاويون البابليين. ثم اتحد الصاويون والبابليون معًا ضد الفرس. وكانت الغلبة في النهاية للفرس.

ومن خلال قوة السلاح والتحالفات الداخلية، نجح بسماتيك الأول في السيطرة على الدلتا. ومن خلال توظيف الدين والسياسة والحفاظ على النبلاء السابقين إلى جانبه، ومن خلال عدم معاداة أفراد البيت الكوشي في طيبة، سيطر بنجاح وبدلوماسية على الجنوب. وعلى العكس، قام حفيده بسماتيك الثاني بمحاربة الكوشيين في عقر دارهم ودمر بلادهم وآثارهم. وفي العصر الصاوي، تطلبت إعادة الوحدة وإعادة تأسيس وبناء الدولة الاعتماد على الجنود المرتزقة من الإغريق وإقامة المعسكرات والتحصينات لهم في شرق غالبًا، وفي غرب الدلتا أحيانًا؛ وذلك لصد الهجمات المعادية لمصر من الشرق والغرب. وكان كذلك الاعتماد على التجارة لتمويل بناء المعسكرات والصرف على الجند المرتزقة، وتمليكهم الأرض جزاءً لخدمتهم لمصر؛ فعاشوا في البلاد وصاروا مصريين. وتم كذلك الاعتماد على التواصل مع عالمهم الإغريقي من خلال عدة وسائل كان من بين أهمها التجارة والدبلوماسية والقوة العسكرية، وتسكينهم في مدينة منف، وبناء المدن لإيوائهم. وأيضًا قام الملوك الصايون ببناء تحصينات في سيناء.

وعلى الرغم من ذلك، فقد ثار الجند المرتزقة ضد الملك أبريس. وكان نتيجة الخلاف بين الجند المرتزقة والمصريين أن تم خلعه، وتولي القائد أمازيس الحكم، تحت اسم أحمس الثاني، كما كان يحدث في العصر الروماني. وجاء أحمس الثاني من خارج الأسرة الملكية؛ كي يكون الحاكم قبل الأخير في الأسرة. وخلال عهده قدم لمصر الكثير من خلال السياسة والدبلوماسية والتوسع في عالم البحر المتوسط. وحقق ازدهارًا كبيرًا لمصر. لقد كان عهد أمازيس فترة قوة وازدهار ورخاء داخلي، مثله مثل عهد أمنحتب الثالث مع الفارق. وكان محظوظًا في تولي الحكم، وفي إدارة البلاد، وفي وفاته قبل احتلال الفرس لمصر؛ ليواجه ذلك المصير المظلم ابنه وخليفته، بسماتيك الثالث، ومن ثم تصير مصر ولاية ضمن ولايات الإمبراطورية الفارسية. ومن خلال نص الموظف الكبير أودجا حور رزنت، وهيرودوت، نعرف أن الملك الفارسي قمبيز قد قلد الملوك المصريين في ألقابهم وطقوسهم، وأنه قد قتل الملك بسماتيك الثالث.

وقام الملوك الصاويون بعدد من الحروب والحملات العسكرية؛ لتأمين مصر ومد حدودها في الشرق الأدنى القديم، وفي أفريقيا؛ ولتأمين طرق مصر التجارية. وحققوا نهضة عمرانية كبيرة. وكانوا على دراية بفنون المصريين في عصورهم الذهبية، فقاموا بإحياء تلك الفنون؛ لإرسال رسالة بأنهم قد حققوا عصر نهضة جديد ًا وتواصلاً وإعادة للأمجاد المصرية القديمة. وفي ذلك العصر، قام الأفراد ببناء مقابرهم بأنماط معمارية جديدة وذات أحجام كبيرة في سقارة و”أبوصير” والجيزة والعساسيف في الأقصر وهليوبوليس والواحات البحرية وهراقليوبوليس في بني سويف. وكانت مقابرهم تشبه المعابد في تصميمها المعماري.

لقد مرت مصر الصاوية بعدة عصور من التفكك قبل تكوين الأسرة مع رأس البيت الصاوي نخاو الأول، ثم إلى القوة مع بسماتيك الأول ونخاو الثاني وبسماتيك الثاني، ثم إلى الضعف مع أبريس، ثم إلى القوة مع أمازيس، ثم إلى الضعف والنهاية مع بسماتيك الثالث.

مصر الصاوية كانت ابتسامة أخيرة على وجه مصر العظيمة قبل أن يحتلها الغرباء لقرون عديدة قادمة.

قد يعجبك ايضا