نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

ما أكثر أعدائك أيها المواطن

35

ما أكثر أعدائك أيها المواطن

كتب/ يوسف المقوسي

 

أيها الفلسطيني . لا يُصَّدق أن هؤلاء كلهم، ضدك. الحزبيون معسكر كامل بكل اسلحته الشنيعة. قادتهم متحدون ضدك، ومختلفون في ما بينهم على ما هو لك، بل على ما هو أنت… إنهم يشبهون ثكنة مختصة بمطاردة كل من يظن أن باستطاعته أن ينتمي إلى الوطن… الانتماءات مصادرة، الانتماء الوحيد المعترف به، هو الانتماء إلى الحركة، ولو كان المنتمي كافراً وزنديقاً ومحتالاً وقاتلاً.

 

ما أكثر أعداء العلمانيين. البلد ثكنة مدججة بجماهير مسعورة، وغب الطلب. الحزبية دين الاديان والمذاهب والاحزاب والقيادات. من دونها، يتعرى القادة وتظهر عوراتهم النفسية، وتنكشف ركاكة سلطتهم. من دون الحزبية، هم حثالة.

 

كنت أظن، وبعض الظن “إثم “، انه يكفي أن نرفع لواء الوطنية، وشعار العلمانية، ومطلب الديموقراطية، و… حتى تنفتح الطريق إلى الإنجاز، فيكون لنا فلسطين الدولة والوطن. ويساس ديموقراطيا، وفق اصول الانتخاب الحر، ليلعب الوطن دوره الريادي داخلياً، وليكون لاعباً في محيطه، ومشتركا في صياغة اقليم يواجه تحديات العدوان والاحتلال الإسرائيلي… إلى آخره.

 

كنت أظن، وبعض الظن “حمرنة”، انه يكفي أن نؤمن ونتبنى قضايا داخلية جليلة، حتى يتحول الإيمان إلى تجسيد، فالحوار والنشر والعلم والثقافة والتفاعل، أقوى من حواجز الآلية الحزبية، التي هي في مرتبة الجهل المطبق والعار المشين. تبين لي ولنا، اننا نهذي. فالصراخ في الشارع والتظاهرات في الساحات والبيانات المقنعة، والمصيبة بصدقيتها، كفيلة بأن تنهار اسوار الحكومة الحزبية كورق الخريف الاصفر.

 

وعيت ووعيناه مراراً، وتحديداً مؤخراً، اننا نهذي، وعرفت أن الحزبية في فلسطين ، اعتى دكتاتورية في البلاد المنكوبة بقائدها واحزابها وعسكرها وملكيتها وامارتها… الحزبية في فلسطين ، هي ” الله الرهيب” و”الشيطان الرجيم”، والاتباع ابالسة وقادتها ممسكة بصكوك الاتهام. فكل مواطن متهم إلى أن يثبت العكس.

 

كم كان هذا اليقين غبياً وصبيانياً ومراهقا. عندما فتحت عيني، وجدت أن الالفباء الفلسطبنية كلها، والقاموس السياسي، والكتب “المقدسة” كلها، إلى جانب قوافل “المؤمنين والمؤمنات”، كالطريق المرصوص وابواب الجحيم لا تقوى عليها. ملائكة العلمانية هشة ورخوة وملعونة. “هذا رجس من قبل الشيطان فاجتنبوه”.

 

عاينت قلاع الحركات والأحزاب، فوجدت أن فلسطين ، من أوله، قد ولد من رحم حزبي، امتلأ قبل زمن. حبلت به الحركات، ومن قبلها حاضنة القائمقايتين… وعندما استولد قالوا له: هذه أمك. لم نكن نعرفها من قبل. اقنعوه بالقوة، وباللغة الإنجليزية الصارمة: هذه امك، فانتسب اليها.

ففلسطين هذه، نظام حزبيي بنيت له سلطة. النظام سابق على الكيان. الحزبية هي الأصل، والعلمانيون لاجئون في لا وطن.

 

عندما انتهيت من الاصغاء إلى خطاب أحد المسؤولين، انفتحت عيناي على المشهد كاملاً. قلت: ما زال المشروع الحزبي يتمدد، وهو حي يرزق، ولا يأتيه خطر من أي جانب. فلا خوف على فلسطين الحزبية. انها القلعة المحكمة. وكل الخلافات ” الأخوية”، تنتهي بـ “تعالوا إلى صفقة سواء”. والصفقات هي العلاجات المتوجبة على الأحزاب والحركات أن تتناولها. نحن العلمانيون كَفَرَة، انما انقياء ولسنا قطعانا ابداً.

 

بدا لي المشهد كاملاً. الجغرافيا الارضية حزبية. المياه حزبية، الله حزبي، المرجعيات السياسية حزبية: من فوق لتحت وفي كل الجهات والمؤسسات والتيارات… وحتى الحثالات المهملة هي حزبية… المصارف إسلامية حزبية. المدارس والمعاهد والجامعات والسوبر ماركات كلها حزبية. أما الكلام والمواقف، فليست إلا التعبير الأسمى في الانحطاط الحركي والحزبي.

 

يا إلهي. معسكر تام خزبياً. من رأسه حتى أخمص أمواله وفقرائه. المرجعيات الدينية تبصم بصماً مبرماً. ما يقال من فوق، يستجيب كل الذين تحت.

الحزبية لا تؤمن بالمساواة بين اتباعها. هي طبقية بامتياز. ترضع من اقواتها القليل معه وتطلب التأييد المبرم… واللعنة على من اتبع الكرامة والانسانية والوطنية.

 

ثم تبين لي، أن لا علاقة لي بفلسطين هذه.

لا أعرف إذا كان آخرون مثلي. اختلف عن كثيرين، بأني أسرعهم إلى اليأس: اليأس من فلسطين هذا. عدة أعوام عمر السلطة الحزبية. ولم نجد في خلال هذا التاريخ، الا الحلول الحزبية ، بعد المعارك الحزبية الدامية، وبعد استضافة الأعراب الخارجين، كل حركة لها مرضع خارجي. إلا العلمانيون، فهم صائمون، وزمن الافطار يبتعد… ما أقسى الجوع!

 

 

 

أخلص إلى القول: كم انت غبي يا يوسف. اياك أن تظن خيراً. انما، افرح يا رجل. فأنت لست عبداً، بل انت حر، في بلد يدرب فيه الزعماء ازلامهم على السير على جباههم.

 

أخيراً، فلسطينكم هذه يستحيل عليها أن تكون دولة ووطناً وشعباً. لذلك: “خذوها”. نفضّل أن نكون ايتاماً من أن نكون… ضع الكلمة المناسبة في هذا المقام

قد يعجبك ايضا