نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

قصة قصيرة ( الحقيبتان )

88

قصة قصيرة
( الحقيبتان )

في طريق عودته إلى الوطن حمل نبيل حقيبته الوحيدة ولم يدر أين يضعها على العبَّارة فالمسافرون كُثْر والبضائع تملأ الميناء،،،
والهرج والمرج يسيطران على الأجواء …

على سطح العبَّارة مكان إقامته!
هكذا سمحت له تذكرته!
ظن أنه سيأخذ حقيبته المصونة في حضنه أو يتخذها وسادة لرأسه…
تلفَّت حوله عَلَّه يجد من يرشده…
رأى رجلا- عرف فيما بعد أنه من قرية مجاورة لقريته –
وآثار الغربة طافحة عليه…
فقد أطلق لحيته المبعثرة شعيراتها…
رث الملابس…
رائحة عرقه تزكم الأنوف وتنبعث من كل شبر في جسده…

اقترب الرجل منه ودلَّه على تسليم حقيبته للعامل في بطن العبارة …
هرول لأسفل حاملا حقيبته اليتيمة والتي لملم فيها حاجياته البسيطة وبعض الهدايا التي عاد بها إلى أرض الوطن بعد غربة قصيرة قضى معظم أوقاتها في هم وغم …

بدأت رحلة العودة ورويدا رويدا اختفى الشاطئ…

أخذا يتحدثان عن الغربة وآلامها…
وتعجب أن بلدياته هذا لاقى الهوان والذل لسنوات طوال ليجمع المال…
أما هو فقد أقرحته كرامته ولم يحتمل آلامها…
فقرر العودة ليضمد جراحها وليأنس بأهله!

سويعات مرت عليه كدهر…
شرَّق فيها وغرَّب وشمأل وجنَّب وسبح في أحلام يقظته حتى انكفأ على وجهه بعد أن أخذته سِنَة من النوم…
لم يفق منها إلا على صوت بلدياته وهو يوقظه في غلظة واضحة لم تَرُق له…
استعاد كامل وعيه…
لاحظ شيئا غريبا جعله يشرد!
فالرجل لم يعد هو نفسه ذلك الرجل الرث المهمل الهيئة… فقد وقف أمامه شخص حليق الذقن يرتدي جلبابا زبدة وعلبة المارلبورو الحمراء في الجيب العلوي لجلبابه…
تفوح من جسده رائحة البرفان الباريسي الفاخر!

أفاق على صوت المذيع الداخلي للعبارة يعلن عن الدخول إلى المياه الإقليمية المصرية…
وهنا أدرك سر التغير الذي أصاب بلدياته…
رآه يضع يده على كرشه المتدلي من كثرة أكله للمندي والكبسة!
وجده لا تشغله كمية الأمراض التي حملها من غربته والتي سرعان ما ستقضي عليه وسيترك ماله الذي جناه لأولاده الذين فسدت أخلاقهم لأنهم لم يجدوا أبا يربيهم بل امتلكوا فقط ماكينة( atm) بشرية تلبي احتياجاتهم…
أما زوجته فستجد زوجا آخرا ينعم معها بما جناه الثور الأحمق…

استعد الجميع للنزول من العبارة إلى رصيف الميناء… الشيئ الوحيد الذي سيطر عليه وقتها:
مكان حقيبته الغراء….
أخذ يبحث هنا وهناك ولكن لا أثر لحقيبته البائسة…
خبرته الضعيفة في السفر عبر البحار أضاعت حقيبته…
بينما وجد المتمرسين في الأسفار يعرفون وجهتهم تماما وحقائبهم في أحضانهم!

أدركه اليأس وفوَّض أمره إلى الله…
تقوقع على مصطبة أسمنتية دافنا وجهه بين يديه وقد اسودَّت الدنيا في عينيه!
رآه أحد عمال الميناء على هذه الحالة فطلب منه بياناتها…
فأسقط في يديه…
لم يكتب عليها شيئا!!!
فقط أعطاه أوصافها…
دقائق وأحضرها له!

طار من الفرح…
أخيرا حقيبته الشاردة في حضنه وبين يديه…

وقبل أن ينصرف إذ ببلدياته يعرض عليه توصيله إلى بلدته مجانا مقابل أن يُمَرِّر له حقيبة من حقائبه الكثيرة من الجمارك فوافق فلم يكن يمتلك رفاهية الرفض فهو شبه مفلس…
فقط سأله عن محتواها فأسَرَّ به إليه…
ففغر فاهه عن آخره ولمعت عيناه وارتعشت فرائصه!!!
وضع عليها لاصقا كتب عليه بياناته…

مرَّت الحقيبة بتفتيش ظاهري خفيف ولم يتم فتحها…
تنفَّس الصعداء وعادت الدماء لتجري في عروقه!
فقد أوشك على الفرار!
ولكن يبدو أن القدر كان رحيما به…

ركبا سيارة أجرة…

ومع أول استراحة على ساحل البحر الأحمر استوقف بلدياته السيارة لكي يتناولا بعض المأكولات وطلب من نبيل النزول أولا…
غمز بعينه للسائق بإشارة ذات مغزى فانطلق بالسيارة تاركا خلفه نبيل بلا حقيبة وبلا نقود ولا… حتى…. أمل!!!

بعد معاناة وصل إلى بيته مكسور الفؤاد مهيض الجناح!

عبثا حاول أهله إخراجه من حالة القهر التي أصابته…

قبل أن يفكر في الذهاب إلى النذل (بلدياته) في القرية المجاورة…
لا لعتابه!
بل لاستجدائه أن يعطيه حقيبته!
فقد بلغ به الوهن النفسي منتهاه!

إذ بجرس الباب يرن!
الطارق شاب عشريني…
وقع نظره على يد الشاب فوجدها تحمل حقيبة عليها بياناته!
علم منه أنها كانت ضمن الحقائب التي وجدوها في حطام السيارة الأجرة التي كانت تقل أخاه والسائق (رحمهما الله) بعد أن انقلبت عدة مرات إثر انفجار إحدى إطاراتها…

استأذنه بالانصراف فأمامه سفر طويل!
تعجب نبيل أيما تعجب وسأله:
ألا تعيش في نفس قرية أخيك؟!
أجابه باندهاش :
بلى…
إذن قريتك بجوارنا!
رد باندهاش أكبر:
نحن من المنوفية يا فندم…
ثم انصرف لتوه…

رأت زوجته الحقيبة فنظرت إليه نظرات ذات مغزى…
فأومأ برأسه وقال :
نعم هذه ليست حقيبتي!!!
إنها حقيبة الغادر!
لقد وضعتُ عليها بياناتي لأمرِّرها له من الجمارك!
ومن الواضح أنه لم يَمْحُها!
ثم قهقه بهيستيرية مردفا وعيناه تلتمعان ببريق الظافر:
أتعرفين ماذا يوجد داخل تلك الحقيبة؟!
لم ينتظر ردها…
فعقَّب…
بداخلها
.
.
.

!!!

ــــــــــــــــــــــــــــــ
#قصص_قصيرة_بسن_القلم
#حسين_الجندي

.

قد يعجبك ايضا