نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

الموت بهدوء

59

حوار حصري مع بطل مسرحية “الموت بهدوء”

بقلم د. صالح وهبة

لأول مرة ينتابني خوف وذعر من الشخصية، خاصة أن معلوماتي المسبقة عنها متواضعة، ولكن قررت أن أذهب إليها مرتديا ماسك وجوانتي ؛ بغرض إزاحة الستار وكشف الغموض عن معلومات في غاية الأهمية للجنس البشري، ومعرفة المعلومة من مصدرها، وإليكم نص الحوار :

 

في البداية ، أود أن أتعرف .. الاسم السن. .النوع ..الديانة . .مسقط رأسك .. المنشأ .. وياريت تعمل حساب مسافة الأمان ببني وببنك”متر ونصف”حتى نتحاور بأريحية.. تفضل ..

 

أنا كوفيد -19 وبيدلعوني “كورونا”.. ذكر ..ملحد .وأكره كل الأديان كره العمى وأكره بشده ممارسة البشر لشعائرهم الدينية، عمري 5 سنوات تقريبا ..ولدت من رحم المعامل الأمريكية وترعرعت فيها .. أسكن في العطس والرذاذ والكحة الطويلة وأحيا على مقابض الأبواب ودرابزين القطارات والمعادن والبلاستيك والخشب والزجاج والنقود..

انحدر من أسرة لها تاريخ طويل ولها تأثير بالغ على العالم .. لي أشقاء ” الكوليرا .. السل .. الطاعون ” والحقيقة أنا أضعفهم، واختلف عنهم من حيث سرعة الانتشار عبر القارات .

 

انا أشك في ذكوريتك؛ لأن معروف أن القدرة على التمحور والتغيير وعدم الثبات الانفعالي من شيم الأنثى .. ماقولك؟

:

انا أعترض وبشدة .. هل سمعت عن كوفيد 19 قطع الرجل ووضعه في أكياس بلاستيك ؟!!!! أنا أقتل بالهدوء من غير سكاكين ولا مدافع ولا قنابل ولا بنادق ولا رشاشات ولا طيارة بدون طيار..موت بهدوء دون إحداث صوت ولا ضجيج .

 

تقول إني تخلفت وولدت في معامل أمريكية.. فكيف تفسر تفاقم الإصابة والوفيات بسبب هجومك وتهجمك بها؟

 

هذا عمل مخابراتي فائق الشيطنة، فقد انتقلت من المعامل الأمريكية إلى مدينة “ووهان الصينية” حتى تكتمل اللعبة ويقزلون إن الوباء “صيني” .

 

اختارت الجهاز التنفسي” بالذات” مسرح لنشاطك وتهجمك .. مالعبرة في ذلك؟

 

هذا ليس اختياري أنا بل اختيار من خلقوني انتم تعلمون إني اختراق وأهاجم الرئة لإحداث فشل في الجهاز التنفسي.

 

يقول عنك أطباء الأمراض الصدرية أنك أثناء اختراقك الخلايا وكأنك تصوب طلقة على هدف باحتراف ..هل هذا صحيح؟

 

طبعا .. هو انا بأهزر؟!! انا مش بألعب مع المستهتر “بلياردو” .. واستطرد قائلا: على فكرة أنا لست وليدة هذا السنة ، لكن اعيش مع الجنس البشري منذ أعوام ليست بقليلة وكما ذكرت ، لا أقتل الا المستهتر الذي يستسلم لي، وأنا انتشرت بسرعة بسبب العادات الخاطئة التي يفعلها البشر ويطلقون عليها ” التحيات الحارة “وسط الزحام .. وأطير من سعال الأشخاص الذين لا يهتمون ولا يحترمون الآخر .. وصدقني أنا مظلومة وكلها تهم وتلفيق وافتراء ملصقة بي.

 

انا أعرف أنك تزور الوزير قبل الخفير، الغني قبل الفقير بمعنى ، “لا تهاب احد” .. أحب أعرف مالذي يميز زيارتك عن أشقائك من حيث تأثيرك على من يقع في براثنك؟

 

لازم تحرجني !! لكن مضطر للإجابة .. اهم ما يميزني، اسهال شديد يؤدي إلى جفاف .. الشخص لا يستطيع أن يقول كلمتين على بعض (يعني مش قادر يأخذ نفسه).. درجة حرارة تصل 39 إلي 40 درجة ولا تستجيب للمخفضات.. ترجيع وهمدان… ألم في العضم .. تأثير بالغ في حاستي الشم والتذوق

 

لماذا أتيت إلى العالم في هذا التوقيت بالذات؟

 

هذا أمر سماوي كي ألقن العالم درسا لا ينساه “أن يفوقوا من غفلتهم” ..فقد استشرى الفساد في الأرض وأخذ صور وأشكال متعددة وأصبح قطار الشر يعدو مسرعا ومركب الخير يتأرجح وكاد يغرق في بحر الملاهي والملذات. وساد الظلم على العدل، وأصيب الترابط الأسري في مقتل .

 

هل يضايقك إن دعوتك باسم “وباء”؟ فقد أغلقت الجامعات والمدارس بسببك وأصبحت الدراسة فيها on.line .. اقتصاد العالم تهاوى .. الاتحاد الأوروبي رسب في الامتحان واضطرت بعض الدول تقرر مساحة انفراج على حسب معدلات الإصابة .. البورصات وقعت .. المصانع والشركات قفلت .. التجارة العالمية وقفت .. هل من توضيح؟

 

أعترض وبشدة على هذا .. يقولون “إن المحنة تولد منحة” ودعني أوضح لك .. بسببي العربات والطيران والبواخر شلت حركتها وبالتالي التلوث قل واترحمت الطبيعة من العوادم والمخرجات السامة .. البحر والنهر مياههما نقية .. أصبحت السماء صافية تغرد فيها الطيور بأريحية.

 

لكن ماتنساش إنك نقمة في نفس الوقت في حياة البشر ولازم تعترف .. أسألك أمام الله على الأرواح التي أزهقتها .. حكمت على الناس بسجن انفرادي في غرفة لا يراها فيها أحد إلا من خلف النافذة “سجين خلف القضبان” أسألك أمام الله من الفرحة التي سرقتها من أعين الأمهات والآباء والآبناء.. استكترت على الناس تشييع موتاهم وتوديعهم الوداع الأخير.. سرقت منهم لحظات وداع لن تتكرر .. سرقت الرغيف من أفواه الجياع .. دولاب العمل ودوران العجل توقف بسببك أيها الوباء .. أقول ايه ولا ايه ولا ايه

 

ولسه بتقول في المحنة منحة!!!! رد عليا لو سمحت ؟؟

 

أرجو لا تنكر فضلي عليكم .. أنا اللى جعلتكم تهتموا بتقوية مناعتكم، فصرتم بفضلي تحرصون على اختيار نوعية الطعام وتحسبون ألف حساب للنظافة .. بسببي أصبحتم في حاجة إلى الاستثمار في مستشفياتكم اكتر من السلاح وفي العقول البشرية اكتر من النفوذ والسيطرة.. بفضلي تغيرت نظراتكم للمرضين والأطباء واطلقتم عليهم اسم ” الجيوش البيضاء” .. آخرست لكم أصوات البنادق والمدافع واعطيت البشرية هدنة من هذا الضجيج .. أعدت لكم مفهوم الترابط الأسري والترابط بين الأزواج من خلال الحجر الصحي والحظر ..منحتكم حياة نقية غير ملوثة بعوادم السيارات والمصانع وأصبحت نسبة الأوكسجين مرتفعة، فلا خوف من ثقب الأوزون .. ارحتكم من رحلات السفر وعطور باريس .. الكل أصبح تحت السيطرة .. صحيح أزهقت آلاف الأرواح لكن لا تنكر إني انقذت الملايين في المقابل.. نعم. أنا فعلت ذلك فهذا الحظر والحجر قلصا نسبة حوادث المرور إلى الصفر تقريبا .

 

يعني عايز أشكرك أيها الوباء ..انت لا تستحق الشكر وفي نفس الوقت لا نجعلك تبتسم على أطلال وجودنا ولا على أنقاض فرحتنا وآمالنا بل ستجعلك تدمر نفسك ذاتيا وسيكون رحيلك في القريب العاجل بإرادة المولى عز وجل .

قد يعجبك ايضا