نافذتك على الأخبار العالمية والمحلية

العلاج النفسي والعقلي في الدولة العثمانية

17

العلاج النفسي والعقلي في الدولة العثمانية

 

بقلم :د.سونيا محمد سعيد البنا

مدرس اللغة التركية وآدابها بجامعة حلوان

 

أهم مشافي الأمراض العقلية في الدولة العثمانية منذ عهد السلطان الفاتح حتى “مراد الثالث”:

شهد علاج الأمراض العقلية اختلافات مدهشة بين العالم المسيحي قديماً والمسلمين فيما يتعلق بعلاج المختلين عقلياً على مدى التاريخ فيما يتعلق بالمفهوم الإنساني . كان الأوربيون يعتقدون أن المختل عقلياً هو إنسان قد سيطر الشيطان على روحه وأصبح على شكل جسد إنسان. أما بالنسبة إلى العثمانيين كان مجرد “مجذوب Meczub “، أي أنه أصبح مريضاً بالسحر بأمر الله عزوجل . ويطلق على المختلين عقلياً بجانب صفة المجذوب صفات أخرى مثل: “مجنون” ،و”أبله Şeyda, Mecnun،divane ” ،وجميعها تحمل نفس المعنى وتبعد التسمية عن كلمة “deli”، بمعنى مجنون أو مخبول أو معتوه . وتجدر الإشارة أنه قد روعي عدم التحقير من شأن الإنسان الذى ابتلي بهذا المرض .

وتجدر الإشارة هنا إلى التباين بين الثقافتين المختلفتين في التعامل مع هذا المرض ، ووفقا لطريقة العلاج الغربية كان يتم إشعال النار فى المختل عقلياً وتعذيبه، وفى النهاية تتخلص روحه من الشيطان لتُرسل إلى الآخرة بشكل طاهر .

ويقول د/”كرافت ابينج Kraft Ebing” :”أحد علماء علم النفس الكبار في القرن العشرين : ” لا تُظهر المسيحية أي اهتمام بالمختلين عقلياً على الإطلاق ، و يعتبرونهم مخلوقات سيطرت عليهم الشياطين ،ظل الأمر هكذا حتى عرفت أوربا علاج المختلين عقلياً من الأتراك، فقد شيد الأتراك مشافٍ خاصة للحفاظ على المختلين عقلياً من قبلنا بكثير .”

كان المختلون عقلياً ــ في فرنسا ــ يُعاملون معاملة سيئة أسوأ من معاملة الحيوانات والمجرمين في مشافي الأمراض العقلية فى عام 1818م .ولقد ظل الاوربيون حتى القرن السادس عشر لا يعرفون أسباب الجنون .

ولمّا جاء د/جون هيوارد (John Heward ) إلى إستانبول فى عام 1788م ،و زار مشافي الأمراض العقلية كتب فى تقريره إلى إنجلترا :”إن هذه الأماكن نموذج يُحتذى به، وجديرة بالمدح والثناء ” .

وعلى حد زعمه –فإن العثمانيين قد تعلموا من السلاجقة تأسيس المشافي (Darü’ş-şifalar ) من أجل علاج المختلين عقلياً . وكانت تُعرف بـ” بيمار خانه Bimarhane”،تطورت هذه الكلمة تدريجياً في لغة الشعب وأصبحت: “تيمار خانه Timarhane ” .

ونلاحظ أن شفقة الأتراك على المختلين عقلياً لم تكن لتؤثر حتى في الروم الذين كانوا يعيشون معهم بشكل متداخل وكأنهم يسخرون من المعاملة التي يتعامل بها الأتراك مع المجانين . وكانوا يستخدمون طرقاً متعددة من التعذيب في محاولة منهم لإخراج الشيطان الموجود في أجسادهم وكانوا يتركونهم دون طعام أو شراب حتى لايستطيع الشيطان تحمل آلام الجوع والعطش فينصرف عن ذلك الجسد.ليس ذلك فحسب ،وإنما كان المختل عقلياً في أوروبا حتى القرن التاسع عشر يُعاقب كأي فرد عادي إذا ما اقترف ذنبا ما . أما العثمانيون فيودعون المختل عقليا المشفى مهما عظم خطؤه ،ولا يفارقها دون أن يُعالج ويتعافى .وفيما يلي يروي لنا المؤرخ “جودت باشا” أنه:

” في الثالث والعشرين من يناير عام 1802م صلى “عبد الله اغا “– ضابط بمرتبة رائد “بيڭ باشى ــ الفجر فى جامع “آيا صوفيا” وبمجرد أن انتهت الصلاة استلَّ سيفه وجرح واحداً من الناس و في أثناء هروبه صوب “Soğukkuyu”،وعلى أثر ملاحقة الناس له جرح أيضاً طفلاً هناك . أوقفه ضباط الدولة الذين لحقوا به وأحضروه إلى الباب العالى ،وأقروا أنه فقد عقله منذ النظرة الأولى ،وأكد ذلك أيضاً الطبيب الذي جاء لمعاينته ولم ينل أيَّ عقاب ،وإنما أُرسل إلى مشفى السليمانية ليبقى بها حتى يُشفى.

كانوا يعالجون المرضى النفسانيين برائحة الزهور والموسيقى،وكانت الفرقة الموسيقية السلطانية تعمل أياماً معينة من الأسبوع في “البيمارخانه ” أو المشفى ،كما كانت الفرقة الموسيقية تقدم حفلات موسيقية بآلالات متعددة ،و يغنون في المشافي .

. وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أن علاج المجانين بالموسيقى بشكل تطبيقى في أمريكا قد بدأ في عام 1956م. مما يعني أن العثمانيين قد سبقوا الغرب في هذا المجال بمئات السنين.

مشفى “الفاتح” للأمراض العقلية ” فاتح عقل خسته خانه سى”:

كتب “أوليا ﭽلبي” في “سياحت نامه” يحكي عن جولاته في استانبول فيقول عما شاهده في أحد المشافي:”كان فيها سبعون حجرة، ومائتا عامل، وكان “الحكيم باشى” الخاص بهذا المشفى برتبة “درس عام”. وفضلا ً عن المشافي التي تعمل دون انقطاع ،كان الناس يأتون للعلاج لفترات قصيرة.

كان المرضى يحظون بالرعاية والاهتمام ، ويتلقون معاملة جيدة ،حيث يحصلون على الطعام الجيد الوفير من لحوم طيور الحجل والديك البري والبلبل والحمام والعصافير.كما كان للمرضى ملابس خاصة للنوم من الديباج المطرز.كل ذلك وأكثركان ثمرة ريع أوقاف تلك المشافي الخيرية . كما كان يُعين في هذه المشافي “خواننده”( ) وسازنده”( )من أجل التخلص من الجنون ، وكان يوجد أبنية من أجل النساء وأبنية لغير المسلمين.

 

كان ذلك المشفى أول مؤسسة صحية تعالج المرضى بالموسيقى التركية ، ووفقاً لما ذكره “أوليا ﭽلبي” في “سياحت نامه” من أن المرضى ينسون اضراباتهم بالنغمات الموسيقية ويشعرون بحالة من الهدوء .وفي مؤلف آخر يذكر أنه كان يتم العزف على الرباب “ساز ” وتعزف ألحان مختلفة من أجل المرضى والمهمومين أو المجانين المكبلين بالقيود وإن لم تؤثر فيهم هذه النغمات كانوا يغيرون المقامات الموسيقة لتتحسن حالاتهم.

 

مشفى السلطان “بايزيد للأمراض” العقلية في “أدرنه” ” سلطان بايزيد عقل خسته خانه سى”:

 

بُني في عهد السلطان “بايزيد الثاني” بالقرب من الجامع الذي بني في ” 1481-1512م”،

هناك على يمين الساحة الكبيرة الخارجية للجامع منتزه جميل . تعلو قبة الجامع نجمة ذهبية فوقها علم يرفف. أما في الأسفل فهناك قبة كبيرة مُثمنة الشكل ، بها ثماني قنطرات لكل منها حجرة بنوافذ والحجرات يقابلها ثماني حجرات أخرى ، والنوافذ تطل على حديقة الورود و يسمع خرير الماء من وسط القبة ذات الجوانب من الفسقيات و من الأسبلة التي على جوانب الحوض . و ألحفة المرضى مطرزة والمخدات من قماش الأطلس .و يتم ربط المجانين المُطبِقين بسلاسل رفيعة مطلية بالذهب والفضة، أما المجانين الهادئون لا يتم ربطهم . وكان المكتئب يشاهد حديقة الورود والأسبلة وثلج الشتاء حينما يتساقط. ( )من المؤكد أن المشهد جميل يساعد المريض على تحسين حالته النفسية.

 

وكما ذكر “أوليا ﭽلبي” أنه كان يتم العلاج لبعض الأمراض في هذه المشافي بالموسيقى فكان يوجد باستمرار عشرة مطربين “خواننده ” ،وعازف على الآلة الوترية الرباب “ساز” ويسمى “سازنده”.كما كان يوجد موسيقاروعازف للعود و الناي والكمان و الهارب “چـنك” والسنطور” santüri” والدف “ﭽنكه” .واستخدموا خاصة هذه المقامات الموسيقية : “نوا Neva” ، و”راست Rast” ،و”دوگاه “Dügah ،و”سيگاه Sega” ،و”ﭽرگاه “Çargah ، و”صوزناق” Suznak.وكانت المقامات البسيطة مثل:” الزنغوله Zengula” ، و”البوسلك ” Buselik ، و”الراست Rast” تؤدي إلى نتيجة جيدة للمرضى.

 

وأيضاً كان يتم التداوي بمنظرالزهور والورود وعطرها.فاستخدموا “السنبل” ، و”التوليب” ،و”الريحان” ،و”القرنفل” ،و”المنثور” ،و”النسرين”، و “الشببوي” و”المسك الرومي” ونبات “عنق الجمل” و”السيمو زرين”.

ومن لحوم الطيور التي كان يأمر الأطباء الطباخين بطبخها لتقديمها إلى المرضى لحوم الطيور المستأنسة ،والتي كان لها تأثير جيد عليهم مثل لحوم طير الحجل و الدراج و الديك البري أو التُدرُج( )والحمام والحمام البري والأوز والبط والبلبل.كما كان الطبيب هو من يأمر بوضع البهارات أو عدم وضعها وغيرها من الأمور .

 

يلاحظ أن اختيار لحوم هذه الطيور لها فوائد عديدة ومما لفت نظر الباحث أن الأتراك لا يأكلون لحم الحمام وذلك لمعتقدات دينية بسبب الحمامة التي رقدت أمام غار حراء في أثناء هجرة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة . لذلك قرأت عن فوائد لحم الحمام وجدت أنه يحتوي على فيتامينات مهمة وأهم ميزة أنه يجعل الفرد يشعر بالراحة والسعادة المطلقة، وذلك لأنه يحفز الجسم على إفراز هرمون السيروتين، وهذا الهرمون يعّد من الهرمونات الضرورية المضادة للاكتئاب. لذلك تخطى الأطباء العادات والمعتقدات فكان يوصف لحمه لمن يعاني من حالة نفسانية سيئة.وذلك يدل أيضاً على أن اختيار الأطباء لبقية لحوم الطيور التي ذكرتها في البحث جميعها لها عامل أساسي لتحسين الحالة النفسانيةللمريض.

 

أما الأدوية فكانت توزع من صيدلية المشفى مرتين في الأسبوع مجاناً ، كانت تصنع المادة الخام في الصيدليات بجودة عالية دون تحقيق أي ربح أو مغنم ، بل كانت الأدوية تُصرف للمرضى والمحتاجين مجاناً.

كان يتم علاج أمراض مثل Melancolie الذي أطلق عليه العثمانيون ” Mal- i hülya” أي مرض “الملنخوليا أو السوداوية ” Karasevda” ، ومرض “العته” أو “الزهايمر” أطلقوا عليه ” العته قبل الميعاد Ateh- i kable’ l- miad” . وذلك من خلال طرق علاجية مختلفة ..

في الحقيقة أن الترجمة الحرفية في كتاب Prof. Dr. Cemal Anadol, Fazile ABBASOVA, Dr. Nazile ABBASLI:Türk Kültürü ve Medeniyeti أثارت انتباهي كثيراً فمن المفترض أن مؤلفي هذا الكتاب استعانوا بكتاب ” سياحت نامه ” لـ”أوليا جلبى” ، وأرجح أنهم لم يستطيعوا الربط وترجمة اسم المرض النفساني أو العقلي جيدا وعندما عرفت ترجمة الأمراض النفسانية المذكورة وجدت أنها تختلف في المعنى عما فسره الكتاب السابق ذكره وذلك لأن “أوليا ﭽلبي” ذكر أسماء الأمراض باللغة العربية.

فنجد أنهم قالوا إن “الملنخوليا” كان يطلق عليها “ملنخوليا” ، و”الهيستريا” كان يطلق عليها “القره سودا” ، و”الشيزوفرينيا” كان يطلق عليها “العته قبل الميعاد”.

ووجدت أن “الملنخوليا” هي نفسها مرض “السوداوية” وليس “الهيستيريا”، و”العته قبل الميعاد” هو “الزهايمر” حاليا وليس “الشيزوفرينيا” .

 

مشفى طوب طاشي “طوب طاشى تيمار خانه سى “للأمراض العقلية في عهد مراد الثالث (1574-1595):

أنشا المهندس المعمار سنان مشفى “طوب طاشي” للأمراض العقلية في “اسكودار” عام 1583م.وهي من الأعمال الخيرية التي قدمتها الوالدة السلطانة “نوربانو” والدة السلطان مراد الثالث .ظل هذا المشفى يعالج مرضى الأمراض العقلية حتى عام 1927م،حيث تحول إلى مخزن للتبغ ، ثم أصبح سجناً.

قد يعجبك ايضا